اسماعيل بن محمد القونوي

99

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أنه ذكر في معرض ذمهم والتسجيل على شدة شكيمتهم وهذا وجه ثالث بالنظر إلى الحكاية « 1 » لا للمحكي ونفاقهم ( فيما يظنون أنهم مخلصون فيه ) أي فيما ذكر لأنهم أظهروا الإيمان بما ذكر وظنوا أنهم مخلصون وما في ضمائرهم لا يوافق ما أظهروه فهو ضرب من النفاق لعدم موافقة ظاهره لباطنه لكن هذا ليس من النفاق الذي هو قسم ثالث فإنه كما صرح به الإيمان ظاهرا والكفر باطنا وهنا ليس كذلك غايته أنهم مخطئون فيما يعتقدون أنهم مصيبون فيه لا أنهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون فيه إذ الخطأ لا يستلزم النفاق كما أشار إليه بعض المحققين والقول بأن النفاق إظهار الإيمان مع عدمه ضعيف لأنه إن أراد بعدمه عدمه في نفس الأمر فمسلم أن إيمانهم كلا إيمان في الحقيقة لكن لا يكون نفاقا القوم كانوا يهودا وإيمان اليهود باللّه ليس بإيمان لقولهم عزير ابن اللّه وكذا إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته فكان قولهم آمنا باللّه واليوم الآخر خبثا مضاعفا وكفرا موجها لأن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق وعقيدتهم عقيدتهم فهو كفر لا إيمان فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة للمسلمين واستهزاء بهم وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثا إلى خبث وكفرا إلى كفر وأيضا قد أوهموا في هذا المقال أنهم احتازوا الإيمان من جانبيه واكتنفوه من قطريه وأحاطوا بأوله وآخره أي إذا قالوه على وجه النفاق كان خبثا مضاعفا مع إيهام أنهم أحاطوا بالإيمان من جانبيه الدعارة خبث وفجور يقال رجل داعر أي خبيث فاجر كذا في الأساس ومعنى كون كفرهم هذا كفرا موجها كونه ذا وجهين يقال كساء موجه أي له وجهان ومعنى قوله اكتنفوا أحاطوا به من كل جانب معنى أوهموا أنفسهم آمنوا بالمبدأ والمعاد على ما هما عليه وذلك يتناول الإيمان كله قال القاشاني في تفسير الآية افتتح سبحانه وتعالى بذكر المؤمنين المخلصين الذين واطأت قلوبهم ألسنتهم ووافق سرهم علنهم وفعلهم قولهم ثم ثنى بذكر المعاندين المردة المخالفين إياهم ظاهرا وباطنا ثم ثلث بالمنافقين الذين اظهروا خلاف ما بطنوا هم الذين قال اللّه تعالى فيهم مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وكانوا ابغض الكفرة إليه وأمقتهم عنده لاستعدادهم للاهتداء وإمكان قبولهم لذلك بنور هدايتهم الأصلية مع بقائهم على الكفر وخلطهم بالكفر تمويها وتلبيسا واستهزاء وخداعا ولذلك وصف عذابهم بالأليم لمنافاة نور استعدادهم لما رسخ فيهم من الرذائل والسيئات والصفات الظلمانية فكان إدراكهم لذلك أشد إيلاما وعذابهم أقوى وأنكى وإن كان عذاب الأولين لشدة حجابهم وغاية بعدهم من النور أعظم لعدم منافاة ذواتهم لصفاتهم وضعف إدراكهم لذلك فلم يحسوا بالألم بخلاف هؤلاء وكونهم في الدرك الأسفل من النار إشارة إلى غاية بعد مقامهم وحالهم عن فطرتهم الأصلية بخلاف الأولين الذين ناسبت صفاتهم ذواتهم والاقتصاد في وصف الكفار على الطرف المطبوع على قلوبهم على آيتين والإطناب في وصف المنافقين في ثلاث عشر آية للإضراب عن أولئك صفحا إذ لا ينجع فيهم الكلام ولا يجدي عليهم الخطاب فقد ينجع فيها التوبيخ والتعبير وعسى أن يرتدعوا بالتشنيع عليهم وتفظيع شأنهم وسيرتهم وتهجين عادتهم وخبث نيتهم وسريرتهم ويتيهوا تقبيح صورة حالهم

--> ( 1 ) يعني أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون آمنا باللّه وباليوم الآخر واختص الحكاية بالإيمان باللّه وباليوم الآخر مع أن مرادهم الإيمان بجميع الإسلام للإيذان .